دولة تدير الخراب باسم النظام
في بعض الدول، لا يبدو الفساد كمرض طارئ، بل كمنهجٍ مدروس تُدار به الحياة اليومية. تجد فيها المسؤول هو نفسه التاجر، وصاحب القرار هو صاحب المصلحة، فتُخرب المدارس الحكومية عمدًا لصالح المدارس الأهلية، لأن ملاك تلك المدارس هم من يجلسون على كراسي السلطة، ويجنون الأرباح على حساب تدمير تعليم الأجيال الفقيرة.
وتجد الدولة تحارب من يحمل السلاح بحجة الأمن، بينما محلات بيع السلاح تعمل بترخيص رسمي في قلب المدن، دون رقيب أو مساءلة، وكأن الفوضى أصبحت تجارة مشروعة.
أما الأسعار، فترتفع وتنخفض وفق أهواء لا تخضع لقانون أو اقتصاد. تُسعّر الدولة السلع في الأسواق كما تشاء، بينما أسعار المشتقات الحكومية كالديزل والغاز والبترول لا تلتزم بأي منطق أو عدالة. والخدمات التي يُفترض أن تكون حقًا للمواطن، كالضرائب والجوازات والبطائق، أصبحت مصدر استنزاف وجباية بلا رحمة.
رجال المرور ينتشرون لا لتنظيم السير، بل لتحصيل الجبايات. والنقاط الأمنية تُصبح مراكز تفتيش للجيوب لا للسيارات. والمواطن، في هذا الواقع، يُعامل كما لو أنه يعيش في دولة خليجية من حيث الالتزامات، بينما هو محروم حتى من أبسط الحقوق.
وإن فكّر أحدهم أن يبدأ مشروعًا خاصًا، خرجت عليه عشرات الأيادي المتهبشة، تطلب "نصيبها" بالقوة، وكأن العمل والإنتاج جريمة.
في ظل هذا الواقع، كيف ينجو المواطن؟ وأي مستقبل يُبنى على هذه الأرض التي تُكافئ التخريب وتعاقب الاجتهاد؟
*الدولة التي تتظاهر بخدمة المواطن وتسعى في خراب معيشته*
تتوشّح بشعارات العدالة والتنمية، وتخاطب شعبها بعبارات مزيّنة عن "المصلحة العامة" و"رفاهية المواطن"، بينما الواقع يروي حكاية أخرى، أكثر قسوة، وأشد مرارة. دولة تبدو وكأنها تسعى لصالح الناس، لكنها في الحقيقة لا تُنتج سوى ضيق العيش وانكسار الأمل.
في ظلّها، لا التاجر يربح من تجارته، فقد أُثقل كاهله بالضرائب والقيود والمخالفات. ولا صاحب الحِرفة ينال ثمرة تعبه، فكأنما يُقاس رزقه بقدر صبره لا بجهده. وسائق الباص، الذي يجوب الطرقات من فجر اليوم حتى مغيب الشمس، لا يعود إلا بمصروف بالكاد يُبقي مركبته على قيد التشغيل، بينما ترتفع الأسعار من حوله دون رحمة.
تُدار شؤون الناس بلا تخطيط حقيقي، بل بتخبط يزرع الشك في كل وعود الدولة. قرارات تُتخذ من مكاتب مُكيّفة، بعيدة كل البعد عن نبض الشارع، وعن آلام العامل والتاجر والمزارع.
هكذا، تصبح الحياة معركة يومية للبقاء، ويغدو المواطن رقماً في حسابات لا تراه إلا في موسم الشعارات. فلا اقتصاد يُبنى، ولا كرامة تُصان، بل الكل يُشقِي ولا يجني.
فأي دولة هذه التي لا تُنصف من يكدّ؟ وأي إصلاح يُرجى ممن لا يرى الشعب إلا عند الحاجة لصبره؟
رائع
ردحذف